صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
مقدمة 14
الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية ( المقدمة العربية )
نتيجة شموخ النفس إلى عالم فوق عالم المادة وتبلورها في عالم أفضل من عالم الزمان والمكان واتصالها بالحقائق الغيبية وبلوغها المعنى الأصلي لحقائق هذا العالم ، هو اتحاد مع صورة في باطن الذات . إن الإدراك الحسّي عند ملا صدرا يقوم على الخيال ، والصورة الخيالية تقوم على الصورة العقلية ، وعالم العقول يقوم على أصل الوجود ، والإحاطة بجميع الحقائق هي حقيقة وجود الحق « واللّه من ورائهم محيط » . ويعتقد ملا صدرا بأن سبب تقدم طريقة أهل السلوك ومشرب أهل الكشف والشهود على طريقة أهل الرأي ، هو استكمال العقل بالحكمة النظرية والعملية وامتلاك العارف السالك قلبا ينبض ببزوغ الحقائق الغيبية لصفائه واستعداده بشكل تصبح فيه وحدة القلب والروح المتصلة بالأفق الأعلى قادرة على تعرية حقائق الوجود من التعيينات والحدود اللازمة لتنزّل الشهود ، وتدنو فيه من الوجود الخارجي والحقيقة الأصلية للمعلوم ، ولم يعد بينها وبين الواقع حجاب . إن رفض التعيينات وإلقاء الحدود ملازم لمشاهدة الحقائق في مقام سعي الموجودات ، ولذا قيل : « العلّة حدّ تام لوجود المعلول . والمعلول حدّ ناقص لوجود العلّة ، ذوات الأسباب لا تعرف إلّا بأسبابها الا إلى اللّه تصير الأمور » . * * * ثمة طريقان معيّنان لبلوغ الواقع وإدراك حقائق الوجود ومسائل المبدأ والمعاد : أولهما : طريق أهل الاستدلال وتحصيل طريق اليقين عن طريق البرهان . وقد اختار الحكماء الإلهيون هذا الطريق ، ويعتبر طيّ هذا الطريق أسهل إذا ما قورن بطريق أهل السلوك الذي سنأتي على ذكره ، فكل شخص يتمتع باستعداد متوسط بمقدوره عن طريق مشاهدة الموجودات وإقامة البراهين العقلية أن يدرك إلى حدّ ما مسائل المبدأ والمعاد ، وأحوال ما بعد الموت والمباحث الإلهية وكيفية ثبوت الصفات الكمالية في ساحة الوجود وذات الحق بالبرهان والإستدلال « فقد فاز فوزا عظيما » . والطريقة المذكورة هي من دون شك مقدمة على طريقة أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة . وكلمات حكماء الإسلام في المباحث والمسائل المتعلقة بالعقائد الإسلامية هي أكمل وأتم من أصول الأشاعرة والمعتزلة ومبانيهم . وبمنأى عن التعصب والمجاملة ينبغي القول إن طريقة تكلمهم تعتبر تلاعبا بعقائد وأفكار